د. صلاح عودة الله
قرأت مقالة الأخت رائدة شلالفة بعنوان"من منكم ليس بقامة الحسن..فلا يرجمنّه بحجر", وفيها تدافع عما بدرمن أقوال للأمير الحسن بن طلال في برنامج"ستون دقيقة" قبل أيام قليلة والذي شاهدناه على شاشة التلفاز الأردني, وكذلك تهاجم بعنف كل من انتقد تصريحات الأمير.
أقول للأخت الكاتبة بأننا نعلم من هو الأمير الحسن بن طلال ونعرفه تمام المعرفة, ونعرف افكاره بصورة جلية وكذلك فكره الذي يحظى بمستوى رفيع جدا محليا واقليميا وعالميا.
لقد قامت الكاتبة المحترمة بادخال هدف ذاتي في مرماها لأنها بدون قصد وبدون معرفة أيضا أيدت معظم من انتقد الأمير الحسن بن طلال, وهنا أقتبس من مقالها:"ولعل الامانةالادبية والصحفية تقتضي الى الاشارة الى ان مدير عام التلفزيون الاردني الزميل رمضان الرواشدة ، وسواء قام بالايعاز لاستضافة سمو الامير من تلقاء نفسه او مدفوعا من شخص أو جهة، قد حاول انصاف الرجل بالظهور على شاشة التلفزيون الوطني وفتح الأثيرأمام ليقول موقفه ورؤيته ليس بوصفه أميرا فحسب، وإنما بوصفه أحد أهم مفكري العالم،وأنه من غير المقبول أن تتداعى فضائيات العالم ومؤتمراته الرفيعة للتهافت خلف تصريحمن الأمير الأردني، ثم تغلق أمامه الشاشة الوطنية، وهكذا صار لحين دخل التلفزيونسريعا في مطب سوء التقديم والحوار، حيث خانت المهنية الاعلامية المذيعة عبير الزبنفي ادارة الحوار مع سمو الامير، والذي كانت اجاباته تفوق ادراك المذيعة ومستوى اسئلتها ، وإذا به يتعرض لأبشع هجوم لمجرد أنه إقترب من عش الدبابير، لمكافحةحقيقية وجدية للفساد".
هل تريد الكاتبة استغباء عقولنا وكأننا نعيش في كوكب اخر وكأننا لا علاقة لنا بما يجري من حولنا, حتى أنها قامت بوصف من انتقدوا تصريحات الأمير ب"محللي التدخل السريع" ووصفت أهدافهم وكأنهم يثأرون منه, وقسمت غايات"يعقوب" لأنصاف وأرباع.
لقد تطرقت الكاتبة المحترمة ل"بافلوف", ولكي أضع النقاط غلى الحروف لا بد لي من تذكير القراء وباختصار شديد من هو بافلوف واحدى نظرياته التي تطرقت اليها الكاتبة:
إيفان بتروفتشبافلوف عالم فيزيولوجي ولد في ريازان، وانتسب إلى جامعة سان بطرسبورغ، وحصل عام 1884م على الدكتوراه في مجالفيزيولوجية الأعصاب، شغل بعدها كرسي الأستاذية ورئاسة مخبر الفيزيولوجية في المعهدالعالي الطبي في الجامعة نفسها.
يعتقد بافلوف أن الأنشطة النفسية المركبة نتاج للعلاقة بين الكائن الحي والوسط على شكل ردود الأفعال المنعكسة الشرطية التي تمثل استجابة الكائن الحي للوسط الذي يوجد فيه والذي يمثل عملاً خارجياً، وتستند الأفعال المنعكسة الفطريةإلى أسس تشريحية بيولوجية في حين تستند الأفعال المنعكسة الشرطية إلى أنشطة أكثرتطوراً واتصالاً بالبيئة.
وتمثلت فكرة بافلوف هذه في اكتشافاته الخاصة بالأفعال المنعكسة الشرطية التي كان لها أثر كبير في بناء نظريته الجديدة حولالحياة النفسية. لقد حاول في أعماله أن يجيب عن مسألته الأساسية التي تتمثل في طبيعة العلاقة بين الدماغ والأنشطة النفسية، وهو يقول في هذا الصدد "ألا يمكننا أن نجد مظاهر نفسية أولية يمكنها في الوقت نفسه أن تكون، وعلى نحو كلي، ظاهرة فيزيولوجية".
ان اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية, فمن حق أي انسان أن يعبر عن رأيه ومن حق الاخرين الرد واحترام الرأي الاخر, وهكذا نطور أفكارنا ووجهات نظرنا والا ما هو الداعي للتعبير عن الرأي؟..لا يوجد أي انسان منزل ومعصوم عن الخطأ والمهم هو التعلم من أخطائنا والاعتراف بها لكي نطور المجتمع الذي نعيش فيه.
من المعروف بأن الأمير الحسن بن طلال كان وليا للعهد ابان حكم أخيه الراحل الملك الحسين بن طلال, وأثناء مرض الأخير تم تغيير الدستور ليصبح الأمير عبد الله نجل الحسين وليا للعهد وبعد رحيل الملك حسين أصبح ملك المملكة الأردنية وبدوره عين الملك عبد الله الثاني ابنه الحسين ليكون وليا للعهد..ومنذ ذلك الوقت تم تجريد الحسن بن طلال من كافة مهامه السياسية الرسمية.
لا أريد أن أجزم بأنني لم أشاهد الأمير حسن على شاشة التلفاز الأردنية منذ رحيل أخيه, أي منذ ثلاثة عشر عاما, ليطل علينا قبل أيام قليلة خلت في برنامج وحوار من خلال شاشة التلفاز الأردني وكأنني لا أعرفه من قبل وذلك من خلال تصريحاته الغريبة التي لا تعكس وجهة نظره التي كنا نعرفها تمام المعرفة وذلك منذ ابعاده عن منصبه كولي للعهد.
من منا لا يدرك طبيعة الحراك الأردني وهو جزء لا يتجزأ من الربيع العربي وان أخذ أشكالا وصورا مختلفة..لقد طالب بعض اقطاب المعارضة الأردنية بملكية دستورية تماما كما هو الحال في بريطانيا, وذهب البعض الى ما هو أبعد من ذلك بكثير, وهو قيام نظام جمهوري في الأردن.
ومن باب التذكير فقط, أريد أن أوضح للاخوة القراء بعضا من اراء الأمير الحسن في شهر تشرين الثاني من العام السابق وفي عدة مواقع وعبر العديد من الفضائيات:
"لماذا تستغربون الأصوات التي تأتي من تلك المناطق, والعبرة ليست في كم متظاهر من عمان وإنما فيالأصوات المرفوعة في المناطق الهشة والمهمشة" وفي مناسبة أخرى قال:" لمأتي للحديث عن عجز الموازنة والأزمة المالية, وإنما للحديث عن كيفية معالجة العجزفي الكرامة الإنسانية"..انه ينتقد وبشكل لا يقبل الشك السياسات الرسمية الأردنية, وداعيالعدم إهمال الأصوات القادمة من المناطق الهشة والمهمشة.
وعلى شاشة التلفاز الأردني في اللقاء الأخير تكلم وكأنه انسان اخر انقلبت أفكاره رأسا على عقب, فما جرى يا ترى؟..هل هي مبادرة شخصية يسعى من خلالها الحصول والوصول الى هدف ما, أي لغاية في نفس يعقوب؟, أم أنه سمح له بالظهور وتم تحديد ما يجب أن يقوله بناءا على أوامر من القصر الملكي بعد شعور الأخير باقتراب الربيع الأردني الفعلي والفعال والفاعل؟.
فتراه وتسمعه يقول ولا تصدق ذلك"عندمايجتمع 20 او 30 شابا ويطالبون بأسم الشعب أقول من خولهم ومن كلفهم؟, فأين هي الطبقة المهمشة والهشة التي تكلمت ودافعت عنها يا حضرة الأمير؟.
معلموا الأردن أضربوا ولا زالوا مضربين وهم يطالبون بأبسط حقوقهم, وهم الجندي المجهول وبناة المستقبل وأصحاب الصوت الساكت, وهكذا يصفهم الأمير الحسن:"فاليوم نتحدث عن أزمة التربية والتعليم وأقول في هذا المجال انالعاطلين عن العمل من المتعلمين 25 بالمائه وهذا يفوق العاطلين عن العمل بينالأميين وهم 9 بالمائه، فالأمية ليست عيبا، الأمية المتعلمة هي العيب"..هل المعلمون هم سبب الأمية في الأردن وهل هم أميين, انها ضربة قاضية لمستوى المعلمين والمؤسسات التعليمية في الأردن.
ويقول سموه:" نحن نحترم حقوق الإنسان وحرية التعبير عن الرأي ولا نحتاج لأي أحد أن يعلمنا ذلك", وفي تطرقه لاغتيال الشخصية تراه وتسمعه يقول:"ان موضوع اغتيال الشخصية، لهو المرحله أولى لزعزعة استقرار البلد".
وبدورنا نقول لك يا صاحب السمو أنه غاب عنك أن ما يطالب به الأردنيون أساسا هو تطبيق حقوق الإنسان وليس مجرداحترامها.
ولتوضيح ما أقول أورد مثلين, الأول:سأل أحد الصحفيين الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية جون كينيدى:هل رحلة زوجتك إلى أوروبا على نفقتك الخاصة أم من مال الدولة؟.لو أن هذا السؤال وُجِّه إلى أحد رؤساء الدول العربية لقامت الدنيا ولم تقعد، ولوصف هذا الصحفي بالحماقة والغباوة، ولربما اعتبروا سؤاله نوعًا من التطاول أو التجاوز أو أنه يمس هيبة الدولة.ولكن كل هذه "الترهات" لم تخطر ببال كينيدي، الذي أجاب الصحفي بكل بساطة وأريحية عن سؤاله، ولم تخطر كذلك ببال المستمعين عبر شاشات التلفاز, لأنهم يعلمون أن من حق أي مواطن أن يسأل رئيس دولته مثل هذا السؤال.
وأما الثاني:من من لا يعرف قصة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وقصة الحلوى التي طلبتها زوجته ولم يكن بامكانه توفيرها لها, فقامت وجمعت من مصروفها الذي وفرته واشترتها, فسألها الفاروق عن كيفية حصولها عليها, فقالت:إنني اشتريتها بما وفرته من مصروفي الذي تصرفه لي يومياً، قال عمر:ولكني لم أكن أعرف أنه يزيد وكنت أعطيك أكثر من حاجتك، رديها إلى بيت المال، فإن المسلمين أولى بهذه الزيادة.
وقد عبر شاعر النيل حافظ إبراهيم عن هذه القصة شعراً في قصيدته العمرية فقال:فمن يبـاري أبا حفص وسـيرتـه **أو من يحاول للفاروق تشـبيها..يوم اشتهت زوجه الحلـوى فقال لها**من أين لي ثمن الحلوى فأشريها..ما زاد عن قـوتنا فالمسلمون به أولى** فقـومي لبيت المــال رديهـا..كذاك أخلاقـه كانت وما عهدت**بعد النّبـوة أخلاق تحاكيهــا.
وفي حادثة أخرى مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وهو يخطب الجمعة بالناس, وكان قد أتته ثياب من اليمنفوزعها على المسلمين كل مسلمٍ ثوبًا, فبدأ الخطبة وعليه ثوبان، وقال: أيها الناس:اسمعوا وعوا..فقام سلمان من وسط المسجد، وقال:والله لا نسمع ولا نطيع. فتوقف واضطرب المسجد، وقال:ما لك يا سلمان؟, قال: تلبس ثوبين وتلبسنا ثوبًا ثوبًا ونسمع ونطيع؟, قال عمر: يا عبد الله, قم أجب سلمان, فقام عبد الله يبرر لسلمان، وقال:هذا ثوبي الذي هو قسمي مع المسلمين أعطيته أبي. فبكى سلمان،وقال:الآن قُلْ نسمع، وأمر نطع, فاندفع عمر يتكلم.
فلم يقم عمر بن الخطاب بتصفية الشخصية التي انتقدته, بل احترم مبدأ"من أين لك هذا", وكذلك فعل كينيدي.
ان من لبى نداء الشريف الحسين بن علي في ثورته العربية الكبرى انهم أشراف ورجال وهبوا حياتهم من أجل العرب والعروبة, ولم يقم أحد الان بالتطاول على أجدادك يا صاحب السمو الذين نكن لهم كل الاحترام والتقدير, فلماذا نسمعك تقول:"من يتطاول على أجدادي فلينظر إلى أجداده أين كانوا وأين أصبحوا"؟..انه لكلام جارح لم نكن نتوقعه من أبسط الناس, فكيف اذا سمعناه من مفكر له احترامه المحلي والاقليمي والدولي؟.
وأما أصعب ما جاء على لسانه في اللقاء الأخير قوله:"اذا جئتكم لنخلتكم كلكم"..وبدوري اسأل:تنخل من يا صاحب السمو؟, عامة الناس الذين لا يملكون القوت والعمل ويعصف بهم الفقر والمرض والمجاعة؟..كنا نتوقع من سموكم أن تهددوا بتنخيل ذوي الشأن الذين نهبوا خيرات البلاد ووضعوا مصالحهم الشخصية فوق المصالح الوطنية العليا, وهم الفاسدون والمفسدون الذين أوصلوا البلد الى وضعه الحالي..وضع يبكي عليه الصخر والحجر قبل الانسان..انهم أناس فقدوا الاحساس والذمة والضمير ولعنهم وسيلعنهم التاريخ الى يوم يبعثون, فهم لا تاريخ لهم.
وأنهي ردي مقتبسا ما جاء في نهاية مقالة الأخت الناشطة إيناس مسلّم والذي نشر في مدونتها ردا على تصريحات الأمير الحسن الأخيرة, وللتذكير فقد تعرضت هذه الناشطة للطعن بمنطقة البطن اثناء تواجدها في منطقة اللويبدة يوم الاثنين من قبل انسان حاقد عديم الاحساس والضمير, والسبب هو ما كتبته في مدونتها:"عزيزي سمو الأمير، هل حقاً ترانا بتلك السخافة، يمكنك النزول إلى ساحاتنا وقت ما شئت وتنخيلنا, نحن شعب لسنا أبناء قصور،وذوينا ليسوا أصحاب سمو، ولا يسبق اسمنا ألقاب ملكية، ولكن رضعنا الكرامة من تراب الوطن الذي سففناه جوعاً، وتعلمنا كيف نفكر وكيف نميّز عقولنا عن غيرنا وكيف نصبح نخبة بما لا فضل لكم به، فبأي حق تنخلونا سموّكم؟.
نخّلنا بالحق سموّك،نخّلنا بالقلم والورق سموّك، إذا أردت نخّلنا على المنابر، حاورنا، أظهر لنا الحق من الباطل، واشرح لنا أين أخطأنا وأنت أصبت؟ إذا كنت تعتقد أن الشعب الأردني ضعيف العقل واهن الفكر لا يعي ما يفعل، فأعّد التفكير باعتقاداتك سموّك، وأعد ثقتك بالشعب الأردني وثقته بك لمكانها، الشعب الذي يكفي قراءة تاريخه لمعرفة عقليته ووعيه وأخلاقياته، الشعب الذي ملأ ساحات المملكة بلوحات الحق وشعاراته وحمل كل جبلمن جبال المملكة وسهولها ووديانها صدى صوته مطالبا بحقوقه التي أدركها وآمن بهابكامل وعيه وطالب بها بكامل قوته، هذا شعبٌ لا ينخَّل، منابره مفتوحة فأشر على منشئت وناظره ستعلم أنه لا ينطق عن الهوى، وستجد أنه لا أجندات لديه سوى حب الوطن والانتماء إليه والولاء له، هذي هي معتقداته فهل تراها دون مستوى إيمانك سموّك؟..من أراد تنخيل الشعب بالساحات، نخلّه الشعب بالمقالات, و من أراد تنخيل الشعب بالإهانات، نخلّه الشعب بمنابر الأدب.
والى سمو الأمير الحسن بن طلال أقول:هل هذه هي حرية التعبير عن الرأي التي تطرقت اليها في تصريحاتك الأخيرة؟, والى الناشطة أيناس أتمنى الشفاء العاجل والخزي والعار لهذا الجبان الذي طعنها.
د. صلاح عودة الله-القدس المحتلة

















