رائده شلالفه - عندما يطل علينا مفكر عربي كبير قبل أن يكون أميرا هاشميا عاصر نشأة الدولة الأردنية الحديثة كمسؤول في الهرم السياسي الاردني ، فتلك تعد في معيار الرصد السياسي الداخلي، مفصلاً يحمل مؤشر يقول بيقظة الأمير تجاه ما يعايشه الاردن في حالته الراهنة، تلك المرحلة التي قد يتفق بشأنها علماء الاجتماع من أنها مرحلة 'بافلوف' في عاملي المثير والاستجابة على وجهٍ ما !!
إطلالة الأمير الحسن بن طلال على تلفزيوننا الأردني 'الوطني' ، ليل الجمعة في برنامج ستون دقيقة، تم 'تلقفّها' من قبل المتلقي بطريقة محزنة لم تكن في سياق أو حجم مضمونها، بل وسارع 'محللو التدخل السريع' إلى ترصدّها لا تلقيها، وبدأوا بتشريح مداخلات سموه بطريقة تشريحية للقشرة ودون الدخول لعمق الفكرة، فخرجت تحليلاتهم مجزوءة لا تسمن ولا تغني من جوع لما أراده حقيقة سمو الأمير في معرض ما قال به ، بل تم تحريف المحتوى لغايات في نفس يعقوب لكل منهم، وبمنأى عن أي يعقوبٍ يتبعون !!
في آخر مقالاته التي تعد مرجعية لقراءة الحالة العربية الجاثمة على فوة بركان، 'في الربيع العربي : زرقاء اليمامة لو نطقت هل ستنادي على المفكرين أم على صناع القرار أم عليهما معا؟' تناول سموه في مقاله ما يؤكد إيمانه بجدية حراك الشارع العربي ومنه الأردني تجاه مطالبته بالإصلاح، ومعلناً كذلك جدية اللحظة العربية الراهنة في مسيرة منطقتنا وشعوبها، وواصفا ما يطلق عليه الربيع العربي بأنه ' حدث مكثف تتم فيه إعادة قراءة التاريخ وتفسيره، وإعادة تشكيل الحاضر وأبعاده، وإعادة بناء المستقبل العربي وفق معطيات جديدة، وهذا هو الأدق والأخطر، وهذا ما يشكل مصدر قلقي الأكبر'.
فكيف لمن سوّل له قلمه أن يتربص بحديث سموه من تجيير قوله لتجربة معتصمي ساحة النخيل بمثل ما تم تناولها من تنخيل المعتصمين، ولم تصلهم فكرة سمو الأمير من أن فكرة 'تنخيله' لهم يراد بها كشف محور العشوائية في الحراك الاحتجاجي الذي لا يقوم على أسسه البناءة، الخادمة والفاعلة، وليس كما اراد تفسيرها وترويجها من قِبل 'ربع يعقوب' !!
الأمير الحسن بن طلال، خرج بخلاصة مقاله المذكور إلى ما هو أخطر مما تضمنته حلقة ستون دقيقة مع سموه، وهو الذي انتقد غياب الدراسات الاستشرافية والتخطيط الاستراتيجي الناتج عن استنكاف الحكومات ومراكز الدراسات العربية عن هذه المهمة الأساسية، والتي أدى غيابها إلى تفاجأ فريق دون آخر لمعطيات الحالة العربية الراهنة والتي أفرزت تغييرا جذريا قال سموه بشأنه 'أن حالة الشارع العربي بربيعها الحالي لن تعود إلى ما كانت عليه سابقا، ولكنه أيضا تغيير يضعنا على المحك كمفكرين ومخططين وراغبين في صنع مستقبلنا'، ذلك المستقبل الذي أكد إزاءه سمو الأمير في معرض المقال المشار إليه من 'أننا إن لم نصنع التغيير الذي ينسجم مع ثقافتنا وقيمنا ومرتكزاتنا، فسوف يصنعه الآخرون لنا ولكن سيكون منسجما مع ثقافة غير ثقافتنا وقيم غير قيمنا ومرتكزات غير مرتكزاتنا وسيجيء خدمة لمصالح غير مصالحنا'.
وأوغل متصيدو حديث الأمير حول مداخلته التي قال بشأنها (من يتحدث عن آبائي وأجدادي فلينظر أين كان آباؤه) ليضعوها نُصب فخاخهم ، وتعمدوا إقصائها عن مرماها الحقيقي الذي لو أمعنو باخلاقهم قبل أقلامهم بها لأدركوا انه من حق سمو الأمير أن يدافع عن أجداده وهم من صنعوا حاضر المنطقة العربية برصاصة جده الشريف الحسين بن علي مطلق رصاصة الثورة العربية الكبرى ، فماذا كانوا يتوقعون من سموه من رد على تطاول أشخاص بعينهم على ذكرى آبائه وأجداده, وكلنا نستذكر في هذا المقام ما دعا اليه وقال به نائب اسبق ومعارض يقبع الان خلف القضبان لتطاوله غير المبرر ولتحريضه ضد مؤسسة الدولة ككل، وهو من قال بحرفية كاملة 'ليذهب الهاشميون الى الحجاز لا مكان لهم هنا'، وكأن الأردن محض جغرافيا على هامش أمكنة ذلك المعارض الذي غفل عن استذكار ما قاله الامير الحسن قبل أشهر على فضائية محلية من أن أجداده دلفوا إلى الأردن حكاما وصانعي قرار، بل من هو الاردني الأصيل اذا ما قيست تشدقات هؤلاء بمعادلة من هو الاردني !!
فقد كان جديراً بل وملحّاً على من استل قلمه لقراءة ما قال به سمو الأمير الحسن بن طلال في حلقة ستون دقيقة، أن يكون مطلعا على ما قال به سموه في الآونة الأخيرة، كي لا تتضارب التحليلات وتندثر معها القيم السامية الرفيعة التي دعا إليه سموه منطلقا من قدسية الانسان العربي الأردني في رسم مستقبله ومستقبل أجياله .
ولعل من أهم المفارقات التي تمخضت عنها مقابلة سمو الأمير الحسن لبرنامج ستون دقيقة، أن من سبق و نادى ودعا لحضور سموه في الواجهة الاردنية بكل هيكلتها، نأى عن حضور سموه وصمّ أذنيه عن جوهر ما قاله !
فعلى الرغم من حاجة المناخ السياسي الأردني لـ 'باروميتر' أصحاب الخبرة والرؤيا الثاقبة لحماية البوصلة الوطنية من الانحراف عن قاعدتها المشروعة والمبتغاة، إلا أن الأبواق التي جابهت رؤية وتشخيص سمو الأمير للحالة الأردنية ككل، كانت ذاتها الأصوات النشاز والدخيلة كليةً عن مفهوم البناء السياسي الإصلاحي، بل وجانبت هذه الأصوات حقيقة حرص الأمير المفكر على الأردن قيادة وشعباً، وثمة تصريحات سابقة ثابتة له من أن 'المظلة الهاشمية في مفهومها العصري بشخص الملك والعرش هي عصب المعادلة التصالحية بين فئات المجتمع الأردني'، الأمر الذي من المتوجب أن يغلق باب التكهنات المغرضة تجاه موقف الأمير الحسن بن طلال تجاه مؤسسة العرش والدولة الأردنية كياناً وشعباً !
الحسن بن طلال- الذي يرأس منتدى الفكر العربي منذ أسسه عام 1981 ويقود عشرات المبادرات الدولية في مصلحة الإنسانية, الازدهار والتقدم- يحمل أيضا مواقف ردمت هوة التغريب مع الآخر، وفتح آفاق كان من شأنها قد حطت بالأردن إلى التحديث السياسي, الاقتصادي والاجتماعي الذي يستحق.
أما في مسألة 'ذهنية المؤامرة' التي قد نستند إليها في ما أخذ على سمو الأمير من تصريحات قال بها خلال الحلقة المشار إليها، فإننا لن نتوسع في هذا الجانب، ولن نتساءل لمصلحة من أثيرت هذه التقولات بحق سمو الأمير وهو الرجل الذي يتفق بشأنه جموع الاردنيين عاى انه بوصلة للنزاهة السياسية، والحكمة والتواصل والحوار، بوصفه مفكر وصاحب مشروع فكري انساني لا فئوي أو مناطقي، فليس بمأخذ أن يصوغ سمو الأمير موقفه في مناصرته السياسية للنظام، وللخطوات الإصلاحية المتخذة حتى الآن، وليس بمأخذ كذلك أن يؤخذ عليه انقادة لتقزيم هيبة وسيادة الحكم، بل ورافضا لفكرة أن تتحكم حراكات شعبية منقسمة ومتشظية، قليلة التمثيل بمصير ملايين الأردنيين، وهي قناعات الغالبية الصامتة من الأردنيين.
وفي ذات السياق عزت بعض التحليلات حول تلك الضجة المفتعلة تجاه سمو الأمير بأنها محاولة لزج سموه في حالة مرفوضة من الفوضى الشاملة، تماهيا مع أجندات مكشوفة هدفها لإساءة بفجاجة الى النظام الملكي، واستقرار البلاد !
ولعل الامانة الادبية والصحفية تقتضي الى الاشارة الى ان مدير عام التلفزيون الاردني الزميل رمضان الرواشدة ، وسواء قام بالايعاز لاستضافة سمو الامير من تلقاء نفسه او مدفوعا من شخص أو جهة، قد حاول انصاف الرجل بالظهور على شاشة التلفزيون الوطني وفتح الأثير أمام ليقول موقفه ورؤيته ليس بوصفه أميرا فحسب، وإنما بوصفه أحد أهم مفكري العالم، وأنه من غير المقبول أن تتداعى فضائيات العالم ومؤتمراته الرفيعة للتهافت خلف تصريح من الأمير الأردني، ثم تغلق أمامه الشاشة الوطنية، وهكذا صار لحين دخل التلفزيون سريعا في مطب سوء التقديم والحوار، حيث خانت المهنية الاعلامية المذيعة عبير الزبن في ادارة الحوار مع سمو الامير، والذي كانت اجاباته تفوق ادراك المذيعة ومستوى اسئلتها ، وإذا به يتعرض لأبشع هجوم لمجرد أنه إقترب من عش الدبابير، لمكافحة حقيقية وجدية للفساد!
مقابلة سمو الأمير الحسن بن طلال موضوع الطرح، سواء شئنا أم أبينا، وسواء تم تلقفها على غير وجهها الشرعي أو بحسن النية، الا انها تعد وثيقة سياسية للحالة الاردنية الراهنة، التي يتوجب إزاءها أن تعاد قراءتها مجددا وبصورة منصفة ليس لأجل سموه وإنما لأجل الاردن والاردنيين، وهي إذ دعوة نوجهها لـ محللي وكتّاب التدخل السريع بأن ينأوا بأقلامهم وسمومهم عن البوصلة الحقيقية للنزاهة الاردنية سمو الامير حسن بن طلال !

















